أحمد بن محمود السيواسي
197
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ثم بين نفي كونها أولياء بقوله « ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ » على الحقيقة ، « وَما كانُوا يُبْصِرُونَ » كذلك ، فكيف تصلح للولاية وقوله « يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ » اعتراض بوعيد . ثم أخبر أن وبال الافتراء « 1 » يرجع إلى أنفسهم بقوله ( أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) أي غبنوها باشتراء عبادة الآلهة بعبادة اللّه تعالى ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) أي وفات ( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) [ 21 ] أي يزعمون أن آلهتهم أو الملائكة تشفع لهم عنهم . ( لا جَرَمَ ) أي حقا أو لا بد ، وأصل « جَرَمَ » قطع ، وقيل : لا وجرم بنيا معا على الفتح ، محله رفع بالابتداء « 2 » ، خبره ( أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) [ 22 ] أي الحق كونهم الأخسرين يوم القيامة . [ سورة هود ( 11 ) : آية 23 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) ثم أخبر عن حال المؤمنين في الآخرة بقوله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فيما بينهم وبين ربهم ( وَأَخْبَتُوا ) أي اطمأنوا بالإخلاص ( إِلى رَبِّهِمْ ) أي إلى عبادته بالخشوع ، من الخبت وهو المكان المطمئن ( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [ 23 ] أي لا يخرجون ولا يموتون ، قيل : هذه الآية في شأن الصحابة ومن مثلهم من المؤمنين « 3 » ، والآية التي قبلها في شأن الكافرين . [ سورة هود ( 11 ) : آية 24 ] مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) ثم بين مثلا لكل من الطائفتين تحقيقا للفرق بينهما وعدم تسويتهما في الشبه ترغيبا في الإيمان وتزهيدا عن الكفر فقال ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ) أي الكافر والمؤمن ( كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ ) أي كمثلهما ، وهو للكافرين ، والواو بينهما كالواو الداخلة بين الصفة والموصوف للتأكيد ، وكذا في قوله ( وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ) أي وكمثلهما للمؤمنين ( هَلْ يَسْتَوِيانِ ) أي الفريقان ( مَثَلًا ) أي تشبيها ، تمييز ، يعني الرجل الذي لا يبصر ولا يسمع لا يستوي بالذي يبصر ويسمع ، خاطب به النبي عليه السّلام كفار مكة فقالوا لا يستويان قال ( أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) [ 24 ] بالتخفيف والتشديد « 4 » ، أي لا « 5 » تتعظون « 6 » بعد العلم بأنهما لا يستويان فتؤمنون . [ سورة هود ( 11 ) : آية 25 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) [ 25 ] نزل لتهديد كفار مكة « 7 » ، يعني إن لم يتعظوا بما ذكرنا فاتل عليهم خبر نوح ، إذ أرسلناه إلى قومه ملتبسا بالإنذار من عذاب الدنيا والآخرة ، أي بأني وبالكسر « 8 » على إرادة القول المضمن في الرسالة ، أي أرسلناه إليهم وقال يا قوم إني لكم مخوف من اللّه ذو بيان بلغة تعرفونها . [ سورة هود ( 11 ) : آية 26 ] أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 ) ( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) وهو بدل من « إني » ، أي بأن لا توحدوا ولا تطيعوا غير اللّه ( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) [ 26 ] أي مؤلم بالغرق أو بالنار يوم القيامة ، قيل : بعث نوح بعد أربعين سنة « 9 » أو خمسين « 10 » أو مائة أو مائتين وخمسين سنة ، ومكث فيهم يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة « 11 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 27 ] فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 )
--> ( 1 ) وبال الافتراء ، ب س : وباله ، م . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 122 . ( 4 ) « تذكرون » : خفف الذال حفص والأخوان وخلف وشددها غيرهم . البدور الزاهرة ، 153 . ( 5 ) أي لا ، م : أي ، ب س . ( 6 ) تتعظون ، ب س : يتعظون ، م . ( 7 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 122 . ( 8 ) « إني » : قرأ المكي والبصريان والكسائي وخلف في اختياره وأبو جعفر بفتح همزة « اني » ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 153 . ( 9 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 202 . ( 10 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 202 . ( 11 ) نقله عن البغوي ، 3 / 202 .